أحمد زكي صفوت

420

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

فما نفروا ولا تيسّروا ، فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم ووجوههم ، فسألهم عن رأيهم ، وما الذي ينظرهم « 1 » ، فمنهم المعتلّ ، ومنهم المتكرّه ، وأقلهم من نشط ، فقام فيهم خطيبا فقال : ( شرح ابن أبي الحديد م 1 : ص 179 ، والإمامة والسياسة 1 : 110 ، وتاريخ الطبري 6 : 51 ) 319 - خطبة له أيضا في استنفارهم لقتال معاوية « عباد اللّه : ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل اللّه اثّاقلتم « 2 » إلى الأرض ! أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلا ، وبالذل والهوان من العز خلفا ؟ أو كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم ، كأنكم من الموت في سكرة ، وكأن قلوبكم مألوسة « 3 » فأنتم لا تعقلون ، وكأنّ أبصاركم كمه « 4 » فأنتم لا تبصرون ؛ للّه أنتم ! ما أنتم إلا أسود الشّرى « 5 » في الدّعة « 6 » ، وثعالب روّاغة حين تدعون إلى البأس ! ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي « 7 » ، ما أنتم بركب يصال بكم ، ولا ذي عز يعتصم إليه ، لعمر اللّه لبئس حشّاش « 8 » الحرب أنتم ، إنكم تكادون ولا تكيدون ، وتنتقص أطرافكم ولا تتحاشون « 9 » ، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون ، إن أخا الحرب اليقظان ذو العقل ، وبات لذلّ من وادع ، وغلب المتخاذلون ، والمغلوب مقهور ومسلوب ، ثم قال :

--> ( 1 ) يؤخرهم . ( 2 ) تثاقلتم . ( 3 ) من الألس : كشمس ، وهو الجنون واختلاط العقل ، ألس ( كعنى ) فهو مألوس . ( 4 ) كمه : جمع أكمه من كمه بصره ( كفرح ) اعترته ظلمة تطمس عليه . ( 5 ) الشرى : موضع تنسب إليه الأسد ، قيل هو شرى الفرات وناحيته وبه غياض وآجام ومأسدة . ( 6 ) أي في وقت الدعة والخفض . ( 7 ) يقال : لا آتيك سجيس الليالي : أي أبدا . ( 8 ) جمع حاش اسم فاعل ، من حش النار : أي أوقدها . ( 9 ) أي ولا تبتعدون عن ذلك وتتلافونه بالدفاع عنها ، من حاشية الشئ وهي ناحيته كما تقول تنحى عنه : أي تباعد عنه من الناحية .